طاهر سليمان حموده
114
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
السلطنة إلى طومان باي ألدّ أعدائه ، والذي تولى كبر الحملة عليه إبان أزمته السابقة ، وكان طومان باي عسوفا سفاكا للدماء كثير التدبير للمؤامرات ، وقد قتل كثيرا من خصومه من أمراء المماليك أثناء حكمه ، وبالرغم من ذلك فقد كان يظهر العدل في بعض الأمور مما حببه إلى العامة من الناس وإن كان يخفي في نفسه غير ما يظهر « 1 » ، وهذه الصفات بطبيعتها كفيلة بأن تجعل رجلا مثل السيوطي يخشى على نفسه منذ اليوم الذي ولي فيه طومان باي السلطنة . لذلك اختفى السيوطي بعد توليه في عام 906 ه « 2 » ، وكان حصيفا في تصرفه إذ إن السلطان قد طلبه ليفتك به ، وقد كثر الواشون لديه ، وقد أوغروا صدره عليه مما جعله يتهدد بتقطيعه إربا إربا « 3 » . ومكث السيوطي مختفيا منذ جمادى الآخرة عام 906 ه ، لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر ، وفي خلال هذه الفترة فقد وظيفته بالبيبرسية إذ صرف عنها وتولى مكانه الشيخ يس البلبيسي « 4 » . ويبدو أن السيوطي قد عانى مدة اختفائه كثيرا من الآلام لما كان يبلغه من وعيد السلطان وتهديده ، بيد أنه قابل هذه المحن بالصبر والشجاعة التي أثرها عنه تلامذته الذين شاهدوه في محنته أو نقلوا عنه فيما بعد أخبار هذه المحنة . ويترجم الشعراني لشيخه السيوطي ترجمة تفيض بالحب والاعجاب ، ويذكر له كثيرا من المواقف الحسنة ، وما أظهره اللّه على يده من الكرامات ، ومهما يكن من شيء في أمر الخوارق التي أوردها السيوطي ، وسواء أكانت قد حدثت بالفعل أم كانت من قبيل المنقبيات فإننا نستطيع أن نستدل منها دلالات تعيننا على تعرف الأحداث التي مر بها المترجم له والمواقف التي وقفها . ومما رواه الشعراني من أخبار هذه المحنة أن أعداء السيوطي قد أججوا النار
--> ( 1 ) ابن إياس : بدائع الزهور ج 4 ص 11 ، ج 2 ص 395 ، 396 . ( 2 ) المصدر السابق ج 2 ص 391 ، 392 . ( 3 ) ذيل الطبقات الكبرى ورقة 22 ص 43 . ( 4 ) بدائع الزهور ج 2 ص 391 ، 392 .